كرة السلة تائهة بين «الظروف القاهرة» وأزمتها الاقتصادية

محطّتان أساسيتان مرّت بهما كرة السلة اللبنانية أخيراً، الأولى حملت شكوكاً حول انطلاقها، بينما كان عنوان الثانية تأجيل مبارياتها في مناسبتين، لتبدأ التساؤلات حول حاضرها ومستقبلها، وخصوصاً مع تشعّب واقعها بفعل التحدّيات الكثيرة التي تفرضها دائماً

بين الأمس واليوم تغيّر المشهد كثيراً في كرة السلة اللبنانية، تلك اللعبة التي كانت واجهة الرياضة اللبنانية، والتي اعتبرها البعض الأكثر جذباً للاهتمام والمعلنين والجمهور. كما أنها اللعبة التي اعتُبرت «رياضة الأثرياء» بالنظر إلى المبالغ الكبيرة التي دفعتها أنديتها، وإلى الرواتب الضخمة التي تلقّاها لاعبوها. لكن ككلّ شيء في لبنان، عاكست الظروف مجتمعة المستديرة البرتقالية التي تسير كما هي حال البلاد نحو المجهول بفعل توقّف نشاطها، هجرة لاعبيها، ومعاناة أنديتها في مكان وسعيها لإنقاذ نفسها مهما كان الثمن.

من هنا لم يكن مستغرباً الكلام الذي صدر عن رئيس الاتّحاد اللبناني لكرة السلة أكرم الحلبي قبل شهرين عندما أطلق صرخة حيال ما تواجهه الرياضة اللبنانية عامّة وكرة السلة خاصة في ظلّ الأزمة الاقتصادية الحادة التي تعصف بلبنان، والتي تركت أثرها السلبي في مسألة الرِعاية والدعم للأندية المختلفة.
وقتذاك كان كلام نائب رئيس الاتّحاد الآسيوي في مكانه، حيث وضع الاصبع على الجرح بصراحةٍ تامة، بإعلانه عن الخطر المحدق بالبطولة وبالعديد من الأندية التي كان وجودها مهدّداً بفعل المشاكل المالية، التي لم تغِب عن دوامة الأزمة أيضاً، لكنها عرفت في مكانٍ ما تسيير أمورها ولو أن الأمر لم يخرج من دائرة الصعوبات.
لكن فجأة اضطر الاتّحاد المحلي إلى تأجيل البطولة لمدة شهر بسبب الظروف المعروفة التي تعيشها البلاد، والتي مع استمرارها أبقت على جمود كرة السلة. وهذه الظروف وصفها الاتّحاد بـ«القاهرة».
الكلمة الأخيرة كانت كافية لتتلقفها الأندية وتبدأ في إنقاذ نفسها من الورطة التي وقعت فيها، وهي التي عانت ما عانته لتأمين مشاركتها في البطولة لدرجةٍ قيل إن بعضها لم يكن يعرف ما ينتظره في اليوم التالي بعكس ما كان عليه الأمر في الماضي، عندما كانت تؤمّن غالبية الأندية ميزانياتها وترسم خارطة طريق واضحة لموسمها.
من هنا حملت معظم الأندية كلمة «الظروف (أو القوة) القاهرة» واستخدمتها لفكّ ارتباطاتها أوّلاً مع لاعبيها الأجانب التي قامت بترحيلهم، وذلك في خطوة بدت مفهومة كون الأندية لا يمكنها تحمّل أعباء التكاليف الكثيرة لوجود أجنبي في صفوفها، من دون أن تتمكّن من الاستفادة منه بفعل توقّف البطولة.
وفي ظلّ هذه الأجواء لم يحصل أيّ صدام فعليّ مع اللاعبين الأجانب، فهؤلاء يعرفون تماماً أنهم لن يبقوا من دون عمل بالنظر إلى رفعة مستواهم، إذ أن لاعبين مثل الأميركيين والتر هودج (الحكمة)، وأيزياه أوستن (بيروت)، أو النيجيري إيكيني إيبيكوي (الرياضي) لم يجدوا صعوبةً في إيجاد نادٍ جديد، ليتلقى بالتالي اللاعبون المحلّيون الصفعة القوية، إذ أن مستوى اللاعب اللبناني لا يؤهّله للعب في الخارج، فهناك 4 أو 5 لاعبين فقط بمقدورهم خوض تجربة احترافية في بطولة توازي بمستواها بطولة لبنان على أقلّ تقدير. أضف أنه ورغم إيجاد لاعبين قلائل عقوداً جديدة في الخارج (علي حيدر في ليبيا، هايك غيوكشيان في أرمينيا، وكرم مشرف في السعودية)، فإنّ قيمة اللاعب اللبناني تراجعت بعد تراجع المنتخب الوطني على الساحة الخارجية، وهو ما يصعّب الأمور أكثر على اللاعبين المحليين.

يبرز كلام حول استكمال البطولة في ملعب الرئيس لحود المضمون أمنياً

إذاً يُعتبر اللاعب اللبناني مرّة جديدة الضحية في النفق المظلم الذي دخلت فيه كرة السلة، حيث يرى قسمٌ منهم أن الاندية وجدت الذريعة المناسبة للتملّص من التزاماتها تجاههم، خصوصاً أن بعضها لم يكن قد دفع حتى القسم الأول من المستحقات بفعل مشاكله المالية، ما يعني أن مشكلة كرة السلة في لبنان هي في «الظرف الاقتصادي» وهو «الظرف القاهر»، الذي استخدمه الجميع لإراحة نفسه وإعادة ترتيب الأوراق والتموضع من جديد.

هذه المسألة يؤكدها العديد من لاعبي الصف الأول الذين تحدثوا إلى «الأخبار» لكنهم فضّلوا عدم الكشف عن أسمائهم، فقد أجمعوا على أن ما يحصل ليس ظرفاً قاهراً بكلّ ما للكلمة من معنى «إذ أن المدارس والجامعات والمؤسسات فتحت أبوابها والأمور تسير في البلاد من دون مشاكل أمنية تمنع الوصول إلى ملعب التمارين أو استئناف النشاط». ويضيف أحدهم قائلاً: «نحن نعرف أن القانون سينصفنا إذا أردنا التوجّه نحو القضاء، لكننا لا نريد أن نقف في مواجهة مع أنديتنا، لكن عليها أيضاً أن تأخذ بعين الاعتبار أننا نعيش من هذه اللعبة ولدينا عائلات ومسؤوليات جمّة». وفي النقطة الأخيرة إشارة واضحة خرج بها عددٌ من اللاعبين الذين لا يستبعدون اللجوء إلى الشكاوى في حال تفاقمت الأزمة بينهم وبين الأندية، التي تبدو في وضعٍ لا تحسد عليه لناحية الضغوط التي تعيشها.

ويقول أحد اللاعبين المطّلعين على التفاصيل بأنّ ما عرفته البلاد أنقذ اللعبة من الدخول في مرحلة حرجة لأن هناك أندية لم تكن تستبعد فكرة الانسحاب بسبب افتقادها للدعم اللازم أو الكافي لاستمراريتها، وهي مسألة كانت لتشكّل ضربةً للعبة عامةً، وإحراجاً لكلّ من حاول في الأعوام القريبة الماضية حجب مشاكلها وإيجاد حلولٍ لم تكن نهائية بل مرحلية، لتأتي بعدها ظروف البلاد وتوجّه ضربة شبه قاتلة للعبة التي تسير نحو المجهول في حال استؤنفت البطولة أو بقيت مجمّدة.

إذاً تنقسم الصورة حالياً بين أندية جمّدت نشاطها وألغت عقود لاعبيها الأجانب وأولئك القادمين من الخارج، وبين أندية أوقفت كلّ شيء «على الطريقة اللبنانية» أي من دون تبليغ لاعبيها بقرارها بانتظار قرار الاتحاد حول استكمال البطولة من عدمها، وبين أندية فاوضت اللاعبين على حسم نسبة معيّنة من مستحقاتهم، وبين أندية أخرى أبلغت وكلاء اللاعبين بتوقيف السير بالاتفاقات ما يعني عملياً أنها «فرطت» فريقها، علماً أن الوكلاء الذين لم يقبضوا سلفاً النسب التي يحصلون عليها جرّاء إبرام العقود، تلقوا بدورهم ضربة مؤلمة على صعيد عقود اللاعبين الأجانب والمحليين.

وفي الإطار الأخير تردّد اسم ناديي الحكمة وهومنتمن تحديداً، إذ قيل إنهما من أكثر المشجعين لإلغاء البطولة لظروفٍ مادية حرجة، لكن مصدراً رفيع المستوى في النادي «الأخضر» رفض هذا الكلام في حديثٍ إلى «الأخبار»، معتبراً أن هناك بعض الأشخاص الذين يروّجون أخباراً لمصالح معيّنة، ومشيراً إلى أن لاعبي الحكمة تبلغوا بالحصول على رواتبهم للفترة التي قضوها مع الفريق هذا الموسم «وذلك بعد أن تمّ دفع الأموال المترتبة على النادي لكل الأطراف التي كان لها في ذمّة الحكمة أموال، وذلك رغم الدين الكبير الذي وجدته الإدارة الجديدة بين أيديها يوم وصولها». ويتابع المصدر الحكماوي: «تمّ الاجتماع باللاعبين ووضعوا في الصورة العامة، علماً أنه في الاجتماع الذي حصل في الاتحاد وجمع رؤساء الأندية اتّفق الجميع على حسم 30% من مستحقات اللاعبين لتفادي المزيد من الأزمات المالية، وكان الحكمة آخر من أبلغ لاعبيه بهذا الموضوع».

أما المنتظر الآن فهو ما حكي عنه في الفترة الأخيرة عن محاولات لإيجاد حلول لاستئناف البطولة وإعادة دورة الحياة إلى اللعبة وإبعاد تأثير توقفها عن مئات العائلات التي تعيش منها، وقد عُرض على القيّمين خوض مبارياتها في مجمع الرئيس إميل لحود الرياضي، ما يعني أن الظروف الأمنية لن تكون حائلاً دون لعب المباريات. لكن الواضح أن طرحاً كهذا قد لا يحلّ المشكلة لأن الظروف الاقتصادية أقسى من تلك القاهرة التي حُكي عنها.

الحلبي: لاستكمال البطولة «مهما كان الثمن»

أكد رئيس الاتحاد اللبناني لكرة السلة أكرم الحلبي في اتصالٍ مع «الأخبار» أن بطولة لبنان لكرة السلة ستُستكمل في السابع من شهر كانون الثاني المقبل. وشدد الحلبي على أنه لن يسمح بقتل اللعبة مهما كانت الظروف «وسنستكمل دوري الدرجة الأولى وكل البطولات الأخرى مهما كان الثمن، لأن الجمود والإلغاء سيؤثران سلباً على اللعبة ويعودان بها إلى سنواتٍ خلت عندما عاشت معاناة كبيرة على صعد مختلفة».

وفي هذا الإطار يصوّب الحلبي على الناحية الاقتصادية ـ المالية التي عصفت بكرة السلة قبل بداية الحراك في الشارع، ويقول: «هناك رؤساء أندية ومسؤولون سابقون واتحاديون يتحملون مسؤولية ما آلت إليه الأمور لأنهم ببساطة ساهموا برفع السقف المالي للرواتب والمبالغ المدفوعة للاعبين، وهو ما زاد من ثقل الأزمة التي تعيشها الأندية حالياً، وذلك في موازاة الأزمة الاقتصادية العامة في البلاد».

وأضاف: «يجب على اللاعبين أن يجتمعوا بالمسؤولين في أنديتهم ويتعاون الطرفان لإيجاد حلولٍ تخدم مصلحتهما ولا تقضي على إحدهما، خصوصاً أن البطولة ستستكمل بعكس ما يعتقد البعض». وتابع الحلبي: «رغم الكلام السلبي الكثير المتداوَل حالياً فإن 8 أندية ليس لديها أي مشكلة في استئناف البطولة، وهناك ناديان فقط لا يريدان أي قرار من هذا القبيل». وحول مسألة حضور الجمهور قال رئيس الاتحاد: «طبعاً نأخذ معايير عدة للعب المباريات مجدداً، ففي الوقت الحالي الأجواء متشنجة جداً في البلاد ولا نستطيع أن نلعب كرة سلة بشكلٍ طبيعي أي بحضور الجمهور وفي كل الملاعب». وختم: «أريد أن اطمئن أننا سنجد حلّاً وشكلاً للبطولة لاستكمال الموسم حتى لو لعبنا باللاعبين المحليين حصراً».

شربل كريّم | الأخبار

Share
Bookmark the permalink.